اقتصاد مغربي بسرعتين: الفوسفاط والطيران يجرّان النمو وسط تباطؤ القطاعات التقليدية

تعكس معطيات مكتب الصرف برسم سنة 2025 صورة مركّبة لاقتصاد مغربي يتحرك بإيقاع غير متجانس، حيث تقود بعض القطاعات الاستراتيجية قاطرة المداخيل الخارجية بقوة، في حين تسجل قطاعات تقليدية أخرى مؤشرات تباطؤ أو تراجع، ما أفرز حصيلة إجمالية لنمو الصادرات لا تتجاوز 1,8 في المائة، مقابل دينامية أوضح في مداخيل السياحة وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.

ويبدو من خلال هذه الأرقام أن بنية الاقتصاد الوطني تدخل مرحلة إعادة تشكّل هادئة، تقوم على تعزيز أعمدة جديدة للقوة، دون أن تنجح بعد في تجاوز الهشاشة التي تطبع بعض قواعدها التاريخية، خاصة في ظل التحولات العالمية التي تمس سلاسل القيمة والتجارة الدولية.

الفوسفاط… قاطرة صلبة للقيمة المضافة

أبرز مؤشرات هذا التحول يتمثل في الأداء اللافت لقطاع الفوسفاط ومشتقاته، الذي واصل ترسيخ موقعه كأحد أعمدة الميزان التجاري. فقد بلغت صادراته حوالي 87,14 مليار درهم عند متم نونبر 2025، مسجلة نموًا قويًا بنسبة 13,8 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2024.

ولا يعكس هذا الارتفاع مجرد تحسن ظرفي في الأسعار أو الطلب، بل يؤشر على تحول هيكلي في تموقع المغرب داخل السوق العالمية للأسمدة. إذ تُظهر معطيات المكتب ارتفاع صادرات الفوسفاط الخام بنسبة 28,9 في المائة، والحامض الفوسفوري بنسبة 14,6 في المائة، والأسمدة الطبيعية والكيماوية بنسبة 11,7 في المائة، ما يؤكد أن القطاع يتحرك بثبات نحو منتجات أكثر تصنيعًا وقيمة مضافة.

وبهذا المعنى، لم يعد الفوسفاط مجرد مادة أولية، بل رافعة صناعية متكاملة تستفيد من الطلب العالمي المتزايد على المدخلات الفلاحية، ومن الموقع الريادي للمغرب داخل هذه السلسلة الاستراتيجية.

الطيران… صناعة تكرّس تموقع المغرب في سلاسل الإنتاج العالمية

في السياق ذاته، يبرز قطاع صناعة الطيران كقصة نجاح صناعية أخرى، بعدما تحسنت صادراته بنسبة 8,5 في المائة لتتجاوز 26,26 مليار درهم عند متم نونبر 2025. ويعود هذا الأداء أساسًا إلى ارتفاع مبيعات أنشطة التجميع بنسبة 8,8 في المائة، وأنظمة ربط الأسلاك الكهربائية (EWIS) بنسبة 8,1 في المائة.

وتعكس هذه الأرقام استقرار المغرب داخل منظومات صناعية عالمية عالية التقنية، في وقت تستعيد فيه الصناعة الجوية الدولية زخمها بعد سنوات من الاضطراب المرتبط بجائحة كوفيد-19، ما يعزز صورة المملكة كمنصة صناعية موثوقة تجمع بين الجودة والتنافسية والاستقرار.

الوجه الآخر: تباطؤ القطاعات التقليدية

غير أن هذه الدينامية الإيجابية لا تخفي تراجعًا مقلقًا في عدد من القطاعات التصديرية التقليدية. فقد سجل قطاع الفلاحة والصناعات الغذائية انخفاضًا طفيفًا بنسبة 0,2 في المائة، في انعكاس محتمل لموسم فلاحي صعب، وضغوط تنافسية متزايدة في بعض السلاسل.

أما قطاع السيارات، الذي شكّل خلال السنوات الأخيرة العمود الفقري للصادرات المغربية، فقد سجل تراجعًا بنسبة 3,1 في المائة، ما يثير تساؤلات حول تطور الطلب الخارجي، والتحولات العميقة التي تعرفها الصناعة عالميًا، خاصة في ظل الانتقال نحو السيارات الكهربائية وتشدد بعض الأسواق.

وسجل قطاع النسيج والجلد بدوره انخفاضًا بنسبة 4,7 في المائة، بينما تراجع قطاع الإلكترونيك والكهرباء بشكل أعمق بنسبة 8,7 في المائة، وهو ما يعكس إما تراجع الطلب الخارجي أو إعادة تموقع بعض سلاسل الإنتاج الدولية.

وعلى المستوى الإجمالي، لم ترتفع الصادرات المغربية سوى بنسبة 1,8 في المائة لتستقر عند 423,54 مليار درهم بنهاية نونبر 2025، ما يؤكد أن قوة الفوسفاط والطيران لم تكن كافية لتعويض ضعف باقي القطاعات.

السياحة… رافعة توازن خارجي بامتياز

في المقابل، يقدم ميزان الأسفار صورة مغايرة، أقرب إلى تعافٍ كامل يتجاوز حتى مستويات ما قبل الجائحة. فقد بلغت مداخيل السياحة 124,14 مليار درهم عند متم نونبر 2025، مقابل 104,54 مليار درهم خلال الفترة نفسها من 2024، أي بزيادة تقارب 19,6 مليار درهم في سنة واحدة.

وتعكس هذه القفزة استمرار جاذبية الوجهة المغربية، مدعومة بتنوع العرض السياحي، وتحسن الربط الجوي، وربما أيضًا بتأثير تظاهرات قارية ودولية كبرى، من بينها كأس إفريقيا للأمم.

ورغم ارتفاع نفقات الأسفار، أي ما ينفقه المغاربة في الخارج، بنسبة 12,7 في المائة لتصل إلى 30,15 مليار درهم، فإن رصيد ميزان الأسفار تحسّن بنسبة 20,8 في المائة ليستقر عند حوالي 93,98 مليار درهم، ما يجعل السياحة أحد أعمدة التوازن الخارجي ووسادة امتصاص حقيقية لضغوط التجارة.

الاستثمار الأجنبي… دينامية ثقة رغم التحولات

على مستوى الاستثمارات، أظهرت أرقام مكتب الصرف حيوية ملحوظة في الاستثمار الأجنبي المباشر، إذ تجاوز صافي تدفقه 26,66 مليار درهم عند متم 2025، مسجلاً ارتفاعًا بنسبة 16,4 في المائة.

ويعكس هذا الأداء تحسن عائدات الاستثمارات الأجنبية بنسبة 25,9 في المائة لتبلغ 50,61 مليار درهم، مقابل ارتفاع النفقات المرتبطة بها بنسبة 38,5 في المائة إلى 23,95 مليار درهم، ما يشير إلى توسع نشاط الشركات الأجنبية القائمة، حتى مع استمرار تحويل جزء من الأرباح إلى الخارج.

في المقابل، سجلت الاستثمارات المغربية المباشرة في الخارج صافي تدفق بلغ 6,09 مليارات درهم، بارتفاع طفيف نسبته 1 في المائة، في ظل تراجع عائدات التفويت بنسبة 30 في المائة، ما يعكس إعادة تموقع حذرة للمجموعات المغربية خارجياً.

اقتصاد يعيد ترتيب أوراقه

في المحصلة، ترسم أرقام مكتب الصرف ملامح اقتصاد مغربي في طور إعادة توزيع مراكز ثقله، يعتمد بشكل متزايد على ثلاث ركائز أساسية: الفوسفاط ومشتقاته، السياحة، والاستثمار الأجنبي المباشر، مع بروز صناعة الطيران كفاعل صناعي استراتيجي.

وفي المقابل، تواجه قطاعات كانت إلى وقت قريب عماد الصادرات، مثل السيارات والنسيج والفلاحة، ضغوطًا ظرفية وهيكلية تفرض مراجعة نماذجها، وتعزيز قدرتها على الابتكار والتكيف مع التحولات العالمية، حتى لا يتحول التفاوت القطاعي إلى اختلال بنيوي دائم.

Post a Comment

Join the conversation

Join the conversation