يمر المغرب بمرحلة انتقال ديموغرافي عميق، يتميز بتسارع وتيرة شيخوخة السكان، نتيجة انخفاض معدلات الخصوبة وارتفاع متوسط العمر المتوقع. وفقاً لنتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024 الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، تجاوز عدد الأشخاص البالغين 60 سنة فما فوق 5 ملايين نسمة، أي حوالي 14% من إجمالي السكان البالغ 36.8 مليون نسمة.
ديناميكية النمو: ارتفاع قياسي في أعداد المسنين
شهد عدد المسنين زيادة بنسبة تقارب 59% خلال العقد الماضي (من 3.2 مليون في 2014 إلى 5 ملايين في 2024)، بمعدل نمو سنوي يبلغ حوالي 4.6%، مقارنة بنمو إجمالي السكان الذي لم يتجاوز 0.85% سنوياً. هذا التفاوت يعكس انقلاباً تدريجياً في الهرم العمري، حيث انخفضت نسبة الأطفال دون 15 سنة من 28.2% إلى 26.5%، وتراجعت الفئة النشيطة (15-59 سنة) من 62.4% إلى 59.7%.
تتوقع الإسقاطات الرسمية، بناءً على الدراسات السابقة للمندوبية، وصول عدد المسنين إلى نحو 10 ملايين بحلول 2050، أي قرابة 23-25% من السكان، مما يجعل المغرب يواجه تحدياً مشابهًا لدول متقدمة في شيخوخة السكان.

مؤشرات الشيخوخة: ضغط متزايد على الفئات النشيطة
ارتفع مؤشر الشيخوخة إلى 52 مسنًا لكل 100 طفل دون 15 سنة، مقارنة بـ26 قبل عقدين فقط. كما بلغ معدل الإعالة المرتبط بالمسنين 23%، مما يضع عبئاً إضافياً على السكان في سن النشاط اقتصادياً، خاصة مع محدودية الموارد في أنظمة التقاعد والحماية الاجتماعية.
التفاوتات الجهوية والحضرية-القروية
تظهر تفاوتات جهوية واضحة، حيث تسجل مناطق مثل الشرق وبني ملال-خنيفرة نسباً أعلى من المتوسط الوطني، بينما تظل أقل في الأقاليم الجنوبية. كما تبرز الشيخوخة أكثر في الوسط الحضري مقارنة بالقروي، نتيجة الهجرة الداخلية نحو المدن وتحسن ظروف المعيشة الحضرية الذي يطيل العمر. ومع ذلك، بدأت الشيخوخة تتسلل إلى العالم القروي، حيث ارتفعت نسبة المسنين من 9.5% إلى 13.2% بين 2014 و2024.

الجوانب الاجتماعية والجندرية: تحديات خاصة بالنساء
تمثل النساء أكثر من نصف المسنين، بفضل ارتفاع متوسط العمر لديهن، لكنهن يواجهن تحديات أكبر مثل ارتفاع معدلات الأمية وضعف الاستفادة من معاشات التقاعد. اقتصادياً، تبلغ نسبة مشاركة المسنين في سوق العمل حوالي 16%، مع اعتماد الغالبية على الدعم العائلي التقليدي، في ظل تغطية تقاعدية محدودة.
التحديات الصحية: إعاقات وفجوات في التغطية
يعاني نحو 19% من المسنين من إعاقات تزداد مع التقدم في العمر، بينما تصل نسبة التغطية الصحية إلى 69%، مع فجوات ملحوظة بين الحضر والقرى، وبين الرجال والنساء. هذه الأرقام تبرز الحاجة الملحة لتعزيز الخدمات الصحية المخصصة لكبار السن.
نحو سياسات عمومية متكاملة
يخلص التقرير إلى أن هذه التحولات تضع أنظمة الحماية الاجتماعية، الصحية، والتقاعدية أمام اختبارات جسيمة. يدعو الخبراء إلى تبني سياسات شمولية تشمل توسيع التغطية الاجتماعية، تشجيع الاستثمار في الرعاية الطويلة الأمد، وتعزيز البرامج الوقائية لضمان استدامة اقتصادية واجتماعية في مواجهة مجتمع يتقدم في العمر بسرعة.
