في ظرف زمني خاطف لم يتجاوز نصف ساعة، انتهى حكم الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، بعدما سقط بين أيدي قوات أمريكية خاصة تحركت بقرار مباشر من الرئيس دونالد ترامب، الذي كان قد لوّح، لأشهر طويلة، بإمكانية التدخل العسكري في قلب كراكاس لوضع حد لسلطة خصم تعتبره واشنطن “نظامًا معاديًا” ومتورطًا في الاتجار الدولي بالمخدرات.
سقوط مادورو لا يُقرأ فقط من زاوية التحولات الداخلية لفنزويلا، التي تعيش واحدة من أعمق أزماتها الاقتصادية والاجتماعية بفعل العقوبات والانهيار النقدي، بل يتجاوز ذلك ليحمل دلالات جيوسياسية أوسع، تمسّ مباشرة ملفات إقليمية عالقة، من بينها نزاع الصحراء، حيث شكّلت كراكاس، طوال عقود، أحد أبرز الداعمين لجبهة “البوليساريو” الانفصالية في أمريكا اللاتينية، إلى جانب كوبا.
مادورو، الذي ورث المشروع “البوليفاري” عن سلفه هوغو تشافيز منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي، حافظ على تموقع بلاده ضمن محور مناهض للولايات المتحدة وحلفائها، وجعل من دعم “البوليساريو” امتدادًا أيديولوجيًا وسياسيًا لهذا الخيار، سواء عبر الاعتراف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” أو من خلال توفير الغطاء الدبلوماسي والعلاقات الدولية للجبهة.
المعقل البوليفاري… آخر القلاع في أمريكا اللاتينية
طيلة سنوات حكمه، تحولت فنزويلا إلى عمق استراتيجي حيوي للطرح الانفصالي، في وقت بدأت فيه دول عديدة بأمريكا الجنوبية والوسطى تتراجع عن اعترافاتها السابقة، وتتجه تدريجيًا نحو دعم مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب باعتبارها الحل الواقعي والنهائي للنزاع.
ورغم التحولات الدولية الكبرى، وعودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، ظل مادورو متمسكًا بخطه، بل وحرص على توجيه رسائل سياسية واضحة، كان آخرها استقباله، قبيل تنصيب ترامب بأيام، أحد قياديي “البوليساريو” بصفته “وزيرًا أول صحراويًا”، مجددًا دعمه لما يسميه “حق تقرير المصير”.
هذا التوجه لم يكن معزولًا، إذ سبق لمادورو أن استقبل زعيم الجبهة إبراهيم غالي في مارس 2023 استقبال رؤساء الدول، داخل قصر “ميرافلوريس”، ومنحه أوسمة رمزية، ووقع معه اتفاقيات تعاون وُصفت بـ“الاستراتيجية”، في خطوة هدفت إلى منح الجبهة شرعية سياسية دولية، رغم التآكل المتزايد لدعمها عالميًا.
كما حرص مادورو على توظيف ملف “البوليساريو” كورقة تقارب مع الجزائر، التي شكلت له منفذًا سياسيًا في شمال إفريقيا، حيث أعلن مع الرئيس عبد المجيد تبون، خلال زيارة رسمية سنة 2022، اتفاقهما على دعم الجبهة، في سياق اصطفاف إقليمي معادٍ للمغرب.
الرباط وقراءة مبكرة للتحولات
المغرب، من جهته، كان يدرك أن استمرار مادورو في الحكم يعني الإبقاء على موطئ قدم انفصالي في القارة الأمريكية، لذلك اختار منذ 2019 دعم رئيس البرلمان خوان غوايدو، باعتباره رئيسًا مؤقتًا لفنزويلا، وهو ما تُوّج لاحقًا بإعلان هذا الأخير دعمه الصريح لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
ومع سقوط مادورو، تفقد “البوليساريو” أحد أهم داعميها في لحظة دولية حرجة، يتزايد فيها الإجماع الأممي على أولوية الحل السياسي الواقعي، وهو ما كرّسه قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، الذي دعا الأطراف إلى التفاوض على أساس مقترح الحكم الذاتي.
ضربة جاءت بعد سلسلة انهيارات
غير أن ما يجعل سقوط مادورو أكثر إيلامًا للجبهة، هو أنه يأتي ضمن مسلسل طويل من انهيار الأنظمة الداعمة لها، والذي يمكن تتبع بداياته منذ مقتل الزعيم الليبي معمر القذافي سنة 2011، الذي كان الممول الأول والمحتضن الأساسي لمشروع “البوليساريو” منذ سبعينيات القرن الماضي.
اعترافات مسؤولين ليبيين سابقين أكدت لاحقًا أن “الجمهورية الصحراوية” لم تكن سوى أداة استخباراتية وسياسية في صراع إقليمي، قبل أن تتحول إلى عبء مزمن على داعميها.
المسلسل نفسه تواصل بسقوط نظام بشار الأسد في سوريا أواخر 2024، وهو النظام الذي ظل، إلى جانب الجزائر، من أبرز المدافعين عن الجبهة، بل وتورطت عناصر من “البوليساريو” في القتال إلى جانبه كمرتزقة، وفق شهادات لمسؤولين سوريين منشقين.
في المقابل، اختار المغرب منذ اندلاع الثورة السورية الوقوف ضد نظام الأسد، وأغلق سفارته في دمشق سنة 2012، قبل أن يكون من أوائل الدول التي اعترفت بالسلطات الانتقالية الجديدة سنة 2025، وهو ما تُوّج بإغلاق مقر “البوليساريو” في العاصمة السورية، في خطوة أنهت عقودًا من العلاقة بين الطرفين.
حلفاء تحت الضغط… وعزلة متزايدة
إلى جانب سقوط الأنظمة، تواجه الجبهة تراجعًا حادًا في قوة حلفاء آخرين، مثل إيران و”حزب الله”، اللذين تعرضا خلال 2025 لضربات عسكرية قاصمة من الولايات المتحدة وإسرائيل، أفقدتهما جزءًا كبيرًا من نفوذهما الإقليمي.
“حزب الله”، المتهم بدعم وتدريب عناصر الجبهة في تندوف، يعيش اليوم أضعف مراحله بعد فقدانه قياداته الأساسية، فيما تواجه إيران اضطرابات داخلية غير مسبوقة منذ بداية 2026، تهدد تماسك نظامها.
في ظل هذه التحولات، تبدو “البوليساريو” اليوم أكثر عزلة من أي وقت مضى، بعد أن فقدت دعم عشرات الدول الإفريقية، وتواجه تحولًا أوروبيًا متسارعًا لصالح المبادرة المغربية، ولم يعد لها من سند حقيقي سوى الجزائر، التي أصبحت بدورها تحت ضغوط دولية متزايدة للدخول في مفاوضات جادة وإنهاء نزاع الصحراء على أساس الحكم الذاتي.
