عاشت هولندا واحدة من أكثر ليالي رأس السنة دموية واضطراباً في تاريخها الحديث، بعدما انزلقت مظاهر الاحتفال إلى موجة عنف وُصفت بـ"الاستثنائية"، تاركةً خلفها حصيلة ثقيلة من الضحايا وخسائر فادحة طالت الذاكرة المعمارية للبلاد. ففي الوقت الذي كان فيه العالم يستقبل العام الجديد، تحولت شوارع المدن الهولندية إلى ساحات مواجهة مفتوحة، تعرضت خلالها قوات الأمن لهجمات منظمة استُخدمت فيها الألعاب النارية والمتفجرات كمقذوفات عسكرية، مما دفع نقابة الشرطة الوطنية لوصف ما جرى بأنه مستوى "غير مسبوق" من العدوانية تجاه حماة النظام العام.
وتجسدت مأساة هذه الليلة في المشهد الصادم الذي هز العاصمة أمستردام، حيث التهمت نيران مجهولة المصدر كنيسة "فونديلكيرك" التاريخية، مما أدى إلى انهيار برجها الشاهق الذي يرتفع لـ 50 متراً. الكنيسة التي تعود للقرن التاسع عشر وتعد تحفة معمارية للمهندس الشهير "بيير كايبيرز"، صمد هيكلها الرئيسي بصعوبة أمام ألسنة اللهب، بينما أُجلي سكان المناطق المجاورة وسط تحقيقات أمنية ترجح فرضية إصابة المعلمة بمقذوفات نارية طائشة وسط فوضى الشوارع.
بشرياً، كان النزيف مؤلماً؛ إذ لم تقتصر الفوضى على التخريب المادي، بل حصدت أرواحاً شابة في مقتبل العمر. ففي روتردام، فارق فتى ومواطن ثلاثيني الحياة في حوادث مرتبطة بالمفرقعات، وامتدت المأساة إلى الحدود الألمانية حيث لقى مراهقان حتفهما بسبب متفجرات محلية الصنع. وفي غضون ذلك، استقبلت غرف الطوارئ في مستشفى العيون بروتردام حالات حرجة، كان أغلبها من القاصرين الذين واجهوا شبح فقدان البصر، بينما كانت مدن مثل "لاهاي" و"بريدا" تشهد اشتباكات عنيفة تخللها إلقاء زجاجات حارقة وهجمات مباشرة على الدوريات الأمنية.
هذه الحصيلة القاتمة تأتي في تناقض صارخ مع الأرقام الاقتصادية؛ إذ أنفق الهولنديون مبلغاً قياسياً ناهز 129 مليون يورو على الألعاب النارية هذا العام، متجاهلين كافة التحذيرات الرسمية. وأمام هذا التدهور الأمني والاجتماعي، تجد الحكومة الهولندية نفسها اليوم أمام ضغوط شعبية وحقوقية متزايدة لتسريع وتيرة التشريعات الزجرية، حيث من المقرر تفعيل حظر شامل على الألعاب النارية غير المرخصة بحلول عام 2026، في محاولة لاستعادة السكينة العامة وحماية الأرواح والمعالم التاريخية من "جنون المفرقعات" الذي بات يهدد السلم الأهلي في كل عام.
