قالت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية إن العلاقة بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، التي شكّلت لسنوات طويلة أحد أعمدة التوازن السياسي والأمني في منطقة الخليج، تمر اليوم بمرحلة تصدّع علني وغير مسبوق، بعد انتقال الخلافات بين الطرفين من مستوى التباينات المكتومة إلى مواجهات مباشرة على الأرض، خاصة في الساحة اليمنية.
ووفق تحليل لمحرر شؤون الشرق الأوسط في الصحيفة، أندرو إنغلاند، فإن الشرارة المباشرة للأزمة تمثلت في اتهام الرياض لأبوظبي بدعم المجلس الانتقالي الجنوبي بشحنة أسلحة، وهي خطوة اعتبرتها السعودية تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي ولتوازنات الصراع في اليمن. وترى الصحيفة أن القصف السعودي لتلك الشحنة شكّل تصعيدًا استثنائيًا في العلاقة بين دولتين ظلّتا، لسنوات، نموذجًا للتحالف الوثيق والتنسيق شبه الكامل في الملفات الإقليمية الكبرى.
غير أن فايننشال تايمز تؤكد أن ما يجري لا يمكن اختزاله في الخلاف حول اليمن وحده، إذ يعكس توترًا أعمق مرتبطًا بتنافس متزايد بين البلدين على النفوذ الإقليمي، والزعامة الاقتصادية، وقيادة النظام الإقليمي في مرحلة تشهد إعادة تشكّل موازين القوى في الشرق الأوسط. وتشمل ساحات هذا التنافس ملفات معقدة، من بينها الحرب الدائرة في السودان، والمقاربات المختلفة تجاه الأزمة السورية، فضلًا عن الخلافات المتكررة حول حصص الإنتاج داخل تحالف “أوبك+”.
وترجع الصحيفة هذا التحول إلى تباين متزايد في الرؤى والمقاربات الاستراتيجية بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد، بعد أن شكّل الرجلان، منذ عام 2015، محورًا إقليميًا واحدًا قاد تدخلات مشتركة في عدد من بؤر التوتر، ونسّق مواقف البلدين في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية في المنطقة.
وتضع فايننشال تايمز هذا التحالف السابق في سياقه التاريخي، مشيرة إلى أنه تبلور بقوة في مرحلة ما بعد انتفاضات عام 2011، حين توحّد البلدان لمواجهة تداعيات “الربيع العربي”، ودعما استراتيجيات هدفت إلى احتواء التحولات السياسية ومنع صعود قوى جديدة، وعلى رأسها الحركات الإسلامية. وقد شكّل هذا الهدف المشترك، بحسب الصحيفة، الأساس الصلب للتقارب السعودي–الإماراتي خلال العقد الماضي.
إلا أن هذا التوافق بدأ يتآكل تدريجيًا مع صعود الطموحات السعودية على المستويين الاقتصادي والسياسي، وسعي الرياض إلى إعادة تموضعها كقوة مركزية في الاقتصاد العالمي، من خلال مشاريع كبرى واستقطاب الشركات متعددة الجنسيات، وهو ما وضعها في موقع تنافسي مباشر مع الإمارات، التي بنت خلال السنوات الماضية نموذجها الاقتصادي على جذب الاستثمارات وتحويل دبي وأبوظبي إلى مراكز إقليمية وعالمية للأعمال والمال.
وتخلص فايننشال تايمز إلى أن العلاقة بين البلدين انتقلت من مرحلة التنسيق الوثيق إلى منطق المنافسة المفتوحة، محذّرة من أن استمرار هذا المسار قد ينعكس سلبًا على جهود التهدئة والاستقرار في المنطقة، ويحوّل الخلافات الجيوسياسية إلى مواجهة مباشرة، وربما ذات طابع شخصي، بين اثنين من أكثر القادة نفوذًا في الشرق الأوسط، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى حد أدنى من التفاهم بين القوى الإقليمية الكبرى.
