رغم التساقطات المطرية والثلجية الاستثنائية التي شهدها المغرب في الأشهر الأخيرة من عام 2025 وبداية 2026، والتي ساهمت في رفع معدل ملء السدود إلى مستويات ملحوظة، تكشف البيانات الرسمية من وزارة التجهيز والماء عن واقع مرير يتسم بهدر كبير للموارد المائية. هذا الهدر يثير تساؤلات حول فعالية الاستراتيجيات المعتمدة تحت قيادة الوزير نزار بركة، الذي يُلقب في بعض الأوساط بـ"وزير الجفاف"، ومدى قدرتها على تحويل هذه الفرص الطبيعية إلى موارد مستدامة تدعم الاقتصاد والأمن المائي الوطني. في ظل تغير المناخ الذي يجعل التساقطات غير منتظمة، يبدو أن السياسات الحالية لم تحقق تقدماً ملموساً في حماية المياه أو تحسين إدارتها، مما يعيد إلى الأذهان التحديات المزمنة التي تواجه القطاع المائي في المملكة.
ارتفاع ملء السدود: إنجاز جزئي في مواجهة الجفاف
وفقاً لأحدث البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة التجهيز والماء، ارتفع معدل ملء السدود الإجمالي إلى حوالي 43.9% في 6 يناير 2026، مقارنة بـ42.5% في بداية الشهر، بما يعادل نحو 7.1 مليار متر مكعب من المياه المخزنة. هذا الارتفاع يأتي نتيجة التساقطات الغزيرة التي تجاوزت في بعض المناطق 100 ملم في يوم واحد، مما ساهم في انتعاش بعض الأحواض المائية الرئيسية مثل حوض لوكوس الذي تجاوز معدله 61%، وحوض أم الربيع الذي بلغ 15.7% رغم تحسنه النسبي.
ومع ذلك، يبقى هذا الإنجاز جزئياً، إذ كانت نسبة الملء في نهاية 2025 حوالي 39.2%، ولا تزال بعض السدود الكبرى مثل سد الوحدة وسد المسيرة تواجه نقصاً حاداً. يعكس هذا التحسن الجزئي نجاحاً مؤقتاً في استغلال التساقطات، لكنه لا يخفي التحديات الهيكلية في النظام المائي، حيث يظل الاعتماد على السدود التقليدية غير كافٍ لمواجهة سنوات الجفاف المتتالية.
هدر المياه: ضياع موارد قيمة في البحر رغم الوفرة
الجانب الأكثر إثارة للقلق هو الهدر الواضح لمياه الأمطار، حيث أفادت البيانات الرسمية بضياع أكثر من 80 مليون متر مكعب من المياه في البحر خلال الأسابيع الأخيرة، رغم التساقطات القياسية. هذا الهدر يرجع إلى نقص في البنية التحتية لتجميع وتخزين المياه، مثل نقص محطات التحلية، قنوات التصريف الفعالة، وأنظمة إعادة استخدام المياه المعالجة. في بعض المناطق، مثل حوض سبو والأطلسي، تجاوزت الواردات المائية 117 مليون متر مكعب في 24 ساعة فقط، لكن جزءاً كبيراً منها لم يُحتجز بسبب طاقة التخزين المحدودة.
هذا الواقع يتناقض مع الخطط الاستراتيجية المعلنة، مثل البرنامج الوطني للماء 2020-2050، الذي يهدف إلى زيادة الطاقة التخزينية من خلال بناء 15 سداً جديداً في 2026، بطاقة إجمالية تفوق مليار متر مكعب. ومع ذلك، يبدو أن التنفيذ يعاني من بطء، مما يؤدي إلى فقدان فرص ثمينة لتعزيز الأمن المائي في بلد يعاني من نقص هيكلي يصل إلى 5 مليارات متر مكعب سنوياً.
انتقادات لسياسات الوزير نزار بركة: من "وزير الجفاف" إلى تحديات الإدارة
تحت قيادة الوزير نزار بركة، الذي تولى مهامه في 2021، ركزت السياسة المائية على مبادرات مثل تحلية مياه البحر لتأمين 60% من الاحتياجات بحلول 2030، وبناء محطات متنقلة للتحلية (حوالي 110 محطة حالياً)، إلى جانب برامج الاستمطار الصناعي "غيث". كما أطلقت الوزارة خطة 2026 التي تشمل إنجاز 15 سداً كبيراً وتعزيز التعاون الدولي مع دول مثل تركيا في مجال المياه.
ومع ذلك، يواجه الوزير انتقادات حادة، حيث يُلقب بـ"وزير الجفاف" في بعض الأوساط بسبب عدم تحقيق تقدم ملموس في مواجهة الجفاف الممتد منذ 7 سنوات. يشير تقرير المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية إلى أن الجفاف ليس السبب الوحيد، بل يعود جزئياً إلى سوء الخيارات في السياسات العمومية، مثل التركيز على زيادة العرض دون التحكم في الطلب، خاصة في القطاع الزراعي الذي يستهلك 87% من المياه. توسع الزراعة الموجهة للتصدير (مثل الفواكه والخضر) زاد الضغط على الفرشات المائية، مما أدى إلى استنزافها بنسب تفوق 150% في بعض المناطق.
نقص في الاستراتيجية الشاملة: من التركيز على السدود إلى غياب التجميع
منذ الستينات، اعتمد المغرب على بناء السدود لزيادة الطاقة التخزينية، لكن هذا النهج ركز على العرض دون الاهتمام بالطلب، مما أدى إلى هدر موارد قيمة. غياب مشاريع حقيقية لتجميع مياه الأمطار في المناطق الحضرية والريفية، مثل أنظمة الخزانات الصغيرة أو تقنيات الاحتجاز السطحي، ساهم في ضياع ملايين الأمتار المكعبة في البحر أو التبخر. كما أن السياسات الزراعية لم تشجع على الزراعة الموفرة للمياه، مما يعيق تحقيق التوازن بين الاحتياجات الغذائية والحفاظ على الموارد.
نحو حلول مستدامة: ضرورة إعادة تقييم السياسات
في الختام، يعكس هدر الموارد المائية رغم التساقطات القياسية فشلاً في الاستفادة من الفرص الطبيعية، مما يدفع إلى ضرورة إعادة تقييم الاستراتيجيات الحالية. يطالب الخبراء بتعزيز الشفافية، ربط الاستثمارات بنتائج قابلة للقياس، ودمج مقاربة "الماء والطاقة والغذاء" لتحقيق استدامة حقيقية. دون ذلك، سيظل المواطنون والفلاحون يدفعون ثمن سياسات تبدو فاشلة في مواجهة التحديات المائية المستقبلية.
