دخلت الأزمة الفنزويلية منعطفاً تاريخياً غير مسبوق بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تنفيذ عملية عسكرية وأمنية واسعة النطاق في قلب العاصمة كراكاس، انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما جواً إلى خارج البلاد. هذه العملية الخاطفة، التي نُفذت تحت جنح الظلام وفجر اليوم السبت، جاءت بتنسيق عالي المستوى بين القوات الخاصة الأمريكية وأجهزة إنفاذ القانون، مستهدفة إنهاء حكم مادورو في خطوة أعادت إلى الأذهان التدخلات الأمريكية الكبرى في القارة اللاتينية أواخر القرن الماضي.
واستخدم الرئيس الأمريكي مصطلح "الترحيل الجوي" (Flown) لوصف عملية نقل مادورو، دون الكشف عن الوجهة النهائية، وسط تقديرات استخباراتية تشير إلى نقلهما في مرحلة أولى إلى قواعد عسكرية متقدمة في منطقة الكاريبي أو لقطع بحرية تابعة للأسطول الأمريكي، تمهيداً لمثولهما أمام القضاء في نيويورك بتهم ترتبط بـ"الإرهاب الدولي وتهريب المخدرات". وقد اعتمدت العملية على تفوق جوي كاسح، حيث رُصد تحليق مكثف لمروحيات "أوسبري" وطائرات القوات الخاصة على ارتفاعات منخفضة فوق القصر الرئاسي ومواقع سيادية، دون تسجيل أي تصدٍّ ملموس من منظومات الدفاع الجوي الفنزويلية.
ميدانياً، استعادت كراكاس شبح "سيناريو بنما" عام 1989؛ إذ تعرضت مواقع استراتيجية، من بينها منزل وزير الدفاع، لغارات جوية دقيقة تزامنت مع إنزال وحدات خاصة. وفي المقابل، ظهر وزير الدفاع الفنزويلي فلاديمير بادرينو لوبيز في خطاب هاتفي، واصفاً ما جرى بأنه "أكبر عدوان رسمي تشنه واشنطن ضد سيادة البلاد"، مؤكداً أن القيادة العسكرية ستقاوم هذا الاختراق، في وقت شهدت فيه شوارع العاصمة انتشاراً كثيفاً لقوات الشرطة والمليشيات الشعبية الموالية للنظام، مع إغلاق كامل لمحيط القصر الرئاسي "ميرافلوريس".
وعلى الصعيد السياسي، يرى مراقبون أن واشنطن سعت لإضفاء طابع "إنفاذ القانون" على العملية من خلال الاستناد إلى مذكرات توقيف قضائية سابقة، بينما اعتبرت قيادات في الحزب الحاكم بفنزويلا أن الهجوم يهدف في جوهره إلى السيطرة على الثروات النفطية والموارد الاستراتيجية للبلاد، ومعاقبتها على تحالفاتها الوثيقة مع روسيا والصين وإيران. وبينما لا يزال الهيكل التنفيذي للدولة في كراكاس يحاول لملمة أوراقه في ظل غياب "رأس الهرم"، تترقب العواصم العالمية المؤتمر الصحفي المرتقب للبيت الأبيض، والذي سيحدد المسار القانوني والسياسي لإدارة ما بعد مادورو في واحدة من أكثر المناطق توتراً في العالم.
إن سرعة تنفيذ العملية، التي لم تستغرق سوى ليلة واحدة وفق الرواية الأمريكية، تمثل تحولاً جذرياً في العقيدة القتالية والسياسية لإدارة ترامب تجاه الخصوم في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، مما يفتح الباب أمام احتمالات تصعيد إقليمي واسع أو انهيار سريع لما تبقى من أركان النظام في فنزويلا.
