تواصل صناعة الطيران المغربية ترسيخ موقعها كأحد الأعمدة الصناعية الأكثر دينامية في بنية الاقتصاد الوطني، مع انتقالها إلى مرحلة استراتيجية جديدة تتجاوز منطق التوسع الكمي نحو نموذج يرتكز على الابتكار، ورفع القيمة المضافة، وتعزيز الاندماج الصناعي. ويعكس هذا التحول نضج الرؤية الصناعية للمملكة، وقدرتها على التموقع داخل سلاسل القيمة العالمية في سياق دولي يتسم بإعادة تشكيل عميقة لمنظومات الإنتاج والتوريد.
ويقوم هذا التحول على اعتماد مقاربة صناعية متقدمة، تسعى إلى تنويع الأنشطة المرتبطة بصناعة الطيران، وتعميق المحتوى التكنولوجي، وبناء منظومات إنتاج مندمجة قادرة على استقطاب استثمارات نوعية. وقد مكّنت هذه الرؤية المغرب من تعزيز مكانته كمحور صناعي موثوق، يجمع بين التنافسية، والجودة، والاستقرار، ما جعله شريكًا مفضلًا لدى كبريات المجموعات العالمية في القطاع.
ووفق معطيات رسمية، تجاوزت صادرات قطاع صناعة الطيران 23,65 مليار درهم مع نهاية أكتوبر 2025، وهو مستوى يضع القطاع على مسار تحقيق رقم قياسي جديد مع نهاية السنة. ويعكس هذا الأداء الدينامي توسع القاعدة الصناعية الوطنية، ليس فقط في أنشطة التجميع، بل أيضًا في مجالات أكثر تطورًا تشمل تصنيع الهياكل، والأنظمة، والمعدات ذات القيمة التقنية العالية، ما يؤشر على انتقال تدريجي نحو مستويات أكثر تعقيدًا داخل سلسلة الإنتاج.
ويضم القطاع حاليًا أكثر من 140 شركة تنشط عبر مختلف حلقات سلسلة القيمة، ما يمنحه قدرة كبيرة على استيعاب برامج صناعية جديدة، ورفع وتيرة الإنتاج، وتطوير الخبرات البشرية والتقنية. وبفضل هذا التراكم، لم يعد المغرب يُنظر إليه كمنصة إنتاج منخفضة التكلفة فحسب، بل كمنظومة صناعية متكاملة تستجيب لأعلى المعايير الدولية في مجالات الجودة، والسلامة، والابتكار.
وقد تعزز هذا المسار بإطلاق أشغال المركب الصناعي لمحركات الطائرات التابع لمجموعة “سافران” الفرنسية، في 13 أكتوبر 2025، تحت رعاية صاحب الجلالة الملك محمد السادس. ويقع هذا المشروع الاستراتيجي داخل المنصة الصناعية “ميدبارك” بالنواصر، ويضم وحدة متقدمة لتجميع واختبار محركات الطائرات، إضافة إلى مركز متخصص في صيانة محركات الجيل الجديد “LEAP”، التي تُعد من أكثر المحركات تطورًا في الصناعة الجوية العالمية.
ويمثل هذا الاستثمار نقلة نوعية في تموقع المغرب داخل قطاع الطيران، لكونه يفتح الباب أمام أنشطة ذات قيمة مضافة عالية، تتجاوز التصنيع التقليدي نحو مجالات الهندسة، والصيانة المتقدمة، والخدمات التقنية عالية الدقة. كما يجسد مستوى الثقة الذي تحظى به الكفاءات الوطنية والبنية الصناعية المغربية لدى كبار الفاعلين العالميين، ويعكس انتقال المملكة إلى مرحلة الشراكات الصناعية الاستراتيجية طويلة الأمد.
ويُعد تطوير الرأسمال البشري ركيزة أساسية في هذه الدينامية، حيث بدأت برامج التكوين المتخصص ونقل المهارات تؤتي ثمارها، مع تنامي قدرة اليد العاملة المغربية على مواكبة البرامج الصناعية المعقدة والتكنولوجيات المتقدمة. وقد ساهم هذا العامل في تعزيز جاذبية المنظومة الوطنية، وضمان استدامة النمو الصناعي في قطاع يتطلب مستويات عالية من الدقة والكفاءة.
وعلى الصعيد الدولي، يستفيد المغرب من التحولات العميقة التي تشهدها سلاسل التوريد العالمية، ليبرز كخيار صناعي بديل وموثوق، بفضل قربه الجغرافي من السوق الأوروبية، واستقراره الاقتصادي والمؤسساتي، وتوفره على منظومة صناعية مهيكلة ومدعومة بسياسات عمومية واضحة. ومن المرتقب أن يفتح هذا الموقع فرصًا جديدة في مجالات الصيانة الجوية، والهندسة المتقدمة، والأنظمة المدمجة، والخدمات المرتبطة بدورة حياة الطائرات.
وفي ضوء هذه المؤشرات، يتجه قطاع صناعة الطيران المغربي نحو أفق 2026 بمنطق مختلف، يركز بدرجة أكبر على الابتكار، والاستدامة، وخلق القيمة، بدل الاكتفاء بتوسيع حجم الإنتاج. كما يستعد القطاع لمواجهة التحديات التكنولوجية المقبلة، خاصة تلك المرتبطة بالانتقال الطاقي وخفض البصمة الكربونية للصناعة الجوية، بما ينسجم مع التحولات العالمية نحو طيران أكثر استدامة ومسؤولية بيئيًا.
