اكتشاف أثري تاريخي في كهف مغربي: حفريات بشرية تعود إلى 773 ألف سنة تسد فجوة في تطور الإنسان العاقل

يُمثل الاكتشاف الأثري الجديد في المغرب نقلة نوعية في فهم جذور البشرية، حيث أعلن باحثون دوليون في دراسة نُشرت يوم الأربعاء 7 يناير 2026 في مجلة "نيتشر" (Nature)، عن العثور على عظام وأسنان بشرية متحجرة تعود إلى نحو 773 ألف سنة مضت داخل كهف "غروت أومينيديس" (Grotte à Hominidés)، أو "كهف أشباه البشر"، في محجر توماس الأول (Thomas Quarry I) جنوب غرب مدينة الدار البيضاء. هذه الحفريات، التي تمثل أقدم بقايا بشرية معروفة في تلك الفترة الزمنية بإفريقيا، تُقدِّم مزيجاً فريداً من السمات البدائية والحديثة، مما يجعلها حلقة وصل محتملة في سلسلة تطور الإنسان، وتعزز مكانة شمال إفريقيا كمهد رئيسي لأسلاف الإنسان العاقل (Homo sapiens).

تفاصيل الحفريات: بقايا ثلاثة أفراد في وكر مفترسات

شملت الاكتشافات عظام الفك السفلي (mandibles) لاثنين من البالغين وطفل صغير، بالإضافة إلى أسنان، عظم فخذ (femur)، وبعض الفقرات. تم استخراج معظمها بين عامي 2008 و2009، ضمن برنامج "بريستوار كازابلانكا" المغربي-الفرنسي، لكن التأريخ الدقيق تم مؤخراً باستخدام تقنية البليمغناطيسية (paleomagnetism)، التي ترصد انقلاب المجال المغناطيسي الأرضي المعروف بـ"ماتوياما-برونهيس" (Matuyama-Brunhes reversal)، الذي وقع قبل 773 ألف سنة بدقة تصل إلى ±4 آلاف سنة.

أظهرت عظمة الفخذ آثار عضّ واضحة من أنياب مفترسات كبيرة، مثل الضباع، مما يشير إلى أن الكهف كان وكراً للحيوانات المفترسة، وأن الضحايا ربما تعرّضوا للاصطياد أو أُكِلَت جثثهم بعد الوفاة. غياب آثار عضّ على الفكوك يوحي باستخدام الكهف بشكل عرضي من قبل البشر القدماء، الذين كانوا يتجنبون المفترسات أو يستخدمونه كملجأ مؤقتاً.

السمات التشريحية: مزيج بدائي-حديث يملأ فجوة زمنية

تُظْهِر الحفريات مزيجاً لافتاً من الخصائص: فك سفلي رفيع يشبه هومو إريكتوس (Homo erectus)، الذي ظهر قبل 1.9 مليون سنة في إفريقيا وانتشر إلى أوراسيا، مع أنماط أضراس تشبه الإنسان العاقل المبكر والنياندرتال. هذا المزيج يسد فجوة في السجل الأحفوري الإفريقي بين 1 مليون و600 ألف سنة مضت، حيث كان الاكتشافات نادرة. يُصْنِفُها الباحثون كشكل متطور من هومو إريكتوس في شمال إفريقيا، قريب من السلالة الأفريقية التي انقسمت لاحقاً إلى هومو سابينس (إفريقيا)، نياندرتال، ودينيسوفا (أوراسيا).

قال الباحث الرئيسي جان جاك هوبلان (Jean-Jacques Hublin)، من كوليج دو فرانس في باريس ومعهد ماكس بلانك لعلم الإنسان التطوري في ألمانيا: "يجب الحذر من تصنيفها كـ'السلف المشترك الأخير'، لكنها قريبة جداً من الجماعات الأفريقية التي انبثقت عنها السلالات الثلاثة لاحقاً، مما يعزز الأصل الأفريقي العميق لجنسنا". أضاف: "الحفريات تُظْهِر تصميماً بدائياً ومتطوراً، متسقاً مع التمايز التطوري الجاري في تلك الفترة".

أهمية الاكتشاف: إعادة رسم تاريخ التطور البشري

يُعَزِّزُ هذا الاكتشاف فرضية "الأصل الأفريقي العميق" للإنسان العاقل، مقابل النظريات الأوراسية، ويملأ فراغاً زمنياً في إفريقيا حيث تقل الحفريات بين 1 مليون و500 ألف سنة. يشير إلى تنوّع مبكر للسكان البشريين في القارة، مع اتصال محتمل عبر مضيق جبل طارق مع أوروبا (مثل حفريات غران دولينا في إسبانيا، 800 ألف سنة). كما يدعم اكتشافات سابقة في المغرب، مثل جبل إيغود (Jebel Irhoud) قبل 315 ألف سنة، أقدم هومو سابينس معروف، مما يجعل شمال إفريقيا مركزاً حاسماً لتطور البشرية.

الفريق الدولي، يضم باحثين من المغرب (المعهد الوطني للعلوم الأثرية والتراث - INSAP)، فرنسا، ألمانيا، وإيطاليا، أجْرَى تحاليل تشمل التصوير المقطعي (CT scans)، التحليل المغناطيسي، والمقارنات التشريحية. نُشرت الدراسة في "نيتشر"، مع تعليقات من خبراء مثل كريستيان تريون (هارفارد): "تُجْعَلُ الصورة معقَّدَة بشكل جميل".

سياق المغرب الأثري: مهد متكرر لأسرار التطور البشري

يُعَزِّزُ الاكتشاف مكانة المغرب كمركز أثري عالمي، بعد جبل إيغود (315 ألف سنة، 2017، هوبلان نفسه)، وأثر أقدام بشرية في العرائش (80 ألف سنة، 2024). البرنامج المغربي-الفرنسي "بريستوار كازابلانكا"، تحت إشراف وزارة الثقافة المغربية، يستمر في الكشف عن جذور إفريقيا الشمالية في تاريخ الإنسانية، معززاً التعاون الدولي والبحوث الميدانية في محجر توماس.

في الختام، يُغَيِّرُ هذا الاكتشاف فهمنا لمراحل تطور الإنسان المبكرة، مؤكداً دور إفريقيا في الانقسام التطوري الكبير، ويفتح آفاقاً لدراسات جينية مستقبلية قد تؤكد الروابط الوراثية. يُشِيدُ العلماء بجهود المغرب في الحفاظ على تراثه الأثري، الذي يُعِيدُ رسم شجرة عائلة البشرية بأكملها.

Post a Comment

Join the conversation

Join the conversation