تعهد المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، بعدم الخضوع لما وصفه بـ“الضغوط والتهديدات الخارجية”، وذلك ردًا على تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوّح فيها بإمكانية التدخل دعمًا للمحتجين، في وقت تشهد فيه إيران اضطرابات داخلية متصاعدة على خلفية تفاقم الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم.
وقال خامنئي، في خطاب مسجل بثه التلفزيون الرسمي الإيراني يوم السبت، إن الجمهورية الإسلامية “لن تخضع للعدو”، مشددًا على أن ما وصفهم بـ“مثيري الشغب” يجب “وضع حد لتصرفاتهم”، في إشارة واضحة إلى تشدد محتمل في التعامل مع الاحتجاجات التي تشهدها البلاد منذ أيام.
وتأتي هذه التصريحات في سياق داخلي بالغ التوتر، حيث أفادت جماعات حقوقية بسقوط أكثر من عشرة قتلى واعتقال العشرات خلال مظاهرات اندلعت منذ يوم الأحد الماضي في عدة مدن إيرانية، احتجاجًا على التدهور الحاد في الأوضاع المعيشية، بعد انهيار العملة المحلية وتأثير العقوبات الدولية على الاقتصاد.
نهج مزدوج بين الحوار والقمع
وحاولت السلطات الإيرانية تقديم خطاب مزدوج في التعامل مع هذه الاضطرابات، إذ أكدت أن الاحتجاجات ذات الطابع الاقتصادي “مشروعة” ويمكن التعامل معها عبر الحوار، في مقابل تشددها إزاء ما تصفه بأعمال الشغب والعنف. غير أن تقارير ميدانية تحدثت عن استخدام الغاز المسيل للدموع ووقوع مواجهات عنيفة في الشوارع، خاصة في مدن صغيرة غرب البلاد.
وفي هذا السياق، أقر خامنئي بوجود معاناة اقتصادية حقيقية، قائلاً: “التجار على حق، وهم محقون في القول إنهم لا يستطيعون العمل في هذه الظروف”، في إشارة إلى أزمة العملة والتضخم. لكنه ميّز بين المحتجين لأسباب اقتصادية وبين من اعتبرهم “مثيري شغب”، مضيفًا: “نتحدث مع المحتجين، أما الحديث مع مثيري الشغب فلا طائل منه”.
حصيلة ثقيلة وتصاعد في الاعتقالات
وتركزت التقارير عن أعمال العنف في مدن صغيرة بالأقاليم الغربية، حيث تحدثت السلطات عن مقتل عدة محتجين، مقابل مقتل عنصرين من قوات الأمن وإصابة أكثر من 12 آخرين. وفي هذا الإطار، أعلنت منظمة “هنغاو” الكردية لحقوق الإنسان أنها وثقت اعتقال 133 شخصًا، بزيادة كبيرة عن اليوم السابق، ما يعكس تسارع وتيرة الاعتقالات.
في المقابل، قالت وسائل الإعلام الرسمية إن قوات الأمن ألقت القبض على أشخاص متهمين بتصنيع قنابل حارقة وأسلحة بدائية، واتهمت “مندسين” باستغلال الاحتجاجات لتنفيذ اعتداءات على الممتلكات العامة والخاصة.
ضغط خارجي في لحظة ضعف داخلي
على الصعيد الدولي، زادت تصريحات ترامب من حدة التوتر، إذ قال إن الولايات المتحدة “جاهزة ومستعدة” دون أن يوضح طبيعة الخطوات التي قد تقدم عليها. وتأتي هذه التهديدات في ظل سجل حديث من المواجهات، شمل ضربات جوية أمريكية وإسرائيلية استهدفت مواقع نووية إيرانية وقادة عسكريين خلال العام الماضي.
ويواجه قادة إيران هذه التطورات في واحدة من أصعب الفترات منذ عقود، حيث يعاني الاقتصاد من انكماش حاد بفعل العقوبات، وتواجه الحكومة صعوبات في توفير المياه والكهرباء في بعض المناطق، ما يفاقم حالة السخط الشعبي.
وتزامنت هذه الأزمة الداخلية مع سلسلة انتكاسات إقليمية تعرضت لها طهران منذ اندلاع حرب غزة عام 2023، إذ أضعفت الضربات الإسرائيلية حزب الله اللبناني، أبرز حلفاء إيران، وسقط نظام بشار الأسد في سوريا، كما أدت ضربات إسرائيلية وأمريكية داخل إيران إلى مقتل قادة عسكريين كبار، وكشفت عن اختراقات أمنية واسعة داخل بنية النظام.
أكبر اختبار منذ احتجاجات مهسا أميني
وتعد هذه الاحتجاجات الأكبر منذ المظاهرات الواسعة التي شهدتها إيران أواخر عام 2022 عقب وفاة الشابة الكردية مهسا أميني أثناء احتجازها. ورغم أن التحركات الحالية لم تبلغ مستوى تلك الاحتجاجات من حيث الانتشار والحجم، إلا أنها تمثل أخطر تحد داخلي تواجهه السلطات منذ ثلاث سنوات.
وفي ظل تضارب الروايات بين جماعات حقوقية ووسائل إعلام رسمية ومنصات التواصل الاجتماعي، يبقى المشهد الإيراني مفتوحًا على كل الاحتمالات، في وقت لم يتسن فيه لوكالة رويترز التحقق بشكل مستقل من صحة الأرقام والتقارير المتداولة.
