أثار الإعلان عن وفاة مصطفى محمد عالي سيد، أحد أبرز قيادات جبهة البوليساريو، حالة من الجدل الواسع داخل مخيمات تندوف، وأعاد إلى الواجهة أسئلة ظلت مؤجلة لسنوات حول طبيعة الصراعات الداخلية التي تعيشها الجبهة، وحدّة التوترات التي تخترق بنيتها التنظيمية، في ظل صمت رسمي فتح الباب أمام قراءات وتأويلات متباينة.
فالراحل لم يكن مجرد اسم عابر في هرم القيادة، بل شخصية نافذة شغلت مواقع تنظيمية حساسة، وظلت إلى غاية أيامه الأخيرة عضوًا في الأمانة العامة للجبهة، ما جعله مطلعًا على تفاصيل دقيقة تتعلق بمراكز النفوذ، وآليات اتخاذ القرار، وشبكة التوازنات التي تحكم الحياة السياسية والأمنية داخل المخيمات. هذا الموقع المتقدم منح لخبر وفاته بعدًا خاصًا، خصوصًا بالنظر إلى المسار السياسي الذي اتخذه خلال السنوات الأخيرة.
معارضة من الداخل وكسر للمحرمات التنظيمية
خلال الفترة الماضية، خرج مصطفى محمد عالي سيد عن الخط التقليدي للقيادة، وتحول إلى واحد من أبرز الأصوات المنتقدة من داخل البوليساريو نفسها. ولم يتردد في توجيه اتهامات مباشرة لما اعتبره اختلالًا بنيويًا في التنظيم، وهيمنة دائرة ضيقة على القرار السياسي والعسكري، مع تهميش الكفاءات وإقصاء الأصوات المخالفة.
بل تجاوز ذلك إلى الإعلان صراحة عن طموحه لتولي قيادة الجبهة، داعيًا إلى إزاحة إبراهيم غالي، في خطوة غير مسبوقة كسرت أعراف “الانضباط التنظيمي” و”الطاعة السياسية” التي ظلت تحكم البوليساريو لعقود. هذا الموقف الصدامي عكس حجم التوتر الذي بلغته العلاقة بينه وبين القيادة الحالية، وأبرز في الآن ذاته عمق الخلافات داخل الصف القيادي.
شكوك متصاعدة وصمت يثير الريبة
هذا المسار جعل مصطفى محمد عالي سيد في مرمى خصومات حادة مع أجنحة نافذة داخل الجبهة، وكرّس صورته كمعارض داخلي مزعج لا ينسجم مع الخط الرسمي. لذلك، لم يكن مستغربًا أن تتصاعد الشكوك فور الإعلان عن وفاته، خاصة في أوساط داخل المخيمات ترى في غياب التفاصيل الدقيقة حول ظروف الرحيل عنصرًا مقلقًا.
ورغم الترويج الرسمي لرواية الوفاة الطبيعية بسبب المرض، فإن غياب توضيحات موسعة أو معطيات طبية دقيقة من طرف قيادة البوليساريو غذّى حالة من الريبة، لا سيما أن الحدث وقع في سياق داخلي بالغ الحساسية، يتسم بتنامي السخط داخل المخيمات، وتعدد مراكز القوة، واحتدام الخلافات حول مستقبل القيادة والاتجاه العام للمشروع الانفصالي.
وفاة تكشف ما هو أعمق من حدث عابر
وبين من يكتفي بالرواية الرسمية، ومن يرى في التوقيت والملابسات ما يستدعي طرح فرضيات أخرى، يظل رحيل مصطفى محمد عالي سيد محطة مفصلية داخل البوليساريو، ليس فقط باعتباره نهاية لمسار شخصي مثير للجدل، بل لأنه يكشف حجم التصدع الداخلي الذي يضرب التنظيم، ويعري هشاشة بنيته القيادية، وحدود إدارة الاختلاف داخله.
فالجبهة، التي ظلت تقدم نفسها ككيان متماسك ومنضبط، تبدو اليوم أكثر عرضة لصراعات مكتومة تطفو إلى السطح مع كل حدث مفصلي، ما يعزز الانطباع بأن الخلافات لم تعد محصورة في الكواليس، بل باتت تشكل عنصرًا بنيويًا يهدد تماسكها واستمراريتها.
