أعلنت شركة “ساوند إنرجي” البريطانية عن تحقيق اكتشاف نفطي جديد في منطقة تندرارة شرق المملكة، في خطوة وُصفت من قبل عدد من وسائل الإعلام المحلية والدولية بأنها تحول نوعي في المشهد الطاقي المغربي، خاصة أن المنطقة ظلت إلى حدود اليوم مرتبطة أساسًا باستكشافات الغاز الطبيعي دون النفط.
ووفق المعطيات الأولية التي كشفت عنها الشركة، فإن البئر المكتشف يخضع حاليًا لاختبارات الإنتاج، ويُنتج في مرحلته الأولى حوالي 200 برميل يوميًا من النفط الخام والمكثفات، مع توقعات برفع هذا المستوى تدريجيًا فور وصول تجهيزات تقنية متقدمة تهدف إلى تحسين مردودية البئر واستقرار الإنتاج.
ويمثل هذا التطور، من الناحية التقنية، سابقة في تاريخ الاستكشافات الطاقية بالمنطقة، كما يعزز فرضية وجود مكامن هيدروكربونية متنوعة بشرق المملكة، وهو ما قد يفتح المجال أمام توسيع أنشطة التنقيب مستقبلاً.
بين التفاؤل الطاقي وواقع المواطن
غير أن هذا الإعلان، رغم ما يحمله من مؤشرات إيجابية على مستوى الموارد الطبيعية، يطرح تساؤلات جوهرية حول الأثر الحقيقي لهذه الاكتشافات على الاقتصاد الوطني وعلى حياة المواطنين. فبينما تتصدر أخبار النفط والغاز واجهات الإعلام، لا يلمس المغاربة أي انعكاس مباشر لهذه الاكتشافات على أسعار المحروقات أو على فاتورة الطاقة التي تثقل كاهل الأسر والمقاولات.
ولا يزال المغرب، إلى حدود اليوم، يعتمد بشكل شبه كلي على استيراد النفط والغاز من الخارج، مع تسجيل ارتفاع متواصل في كلفة الواردات الطاقية، ما ينعكس على أسعار النقل، والكهرباء، والمواد الأساسية، ويطرح علامات استفهام حول مدى نجاعة السياسات المعتمدة لتثمين الموارد الوطنية.
الغاز أولًا… والنفط في الأفق
في السياق نفسه، تستعد شركة “ساوند إنرجي” للشروع في الإنتاج التجاري للغاز الطبيعي بحقل تندرارة خلال سنة 2025، من خلال تجهيز آبار إضافية وبناء محطة مصغّرة للغاز الطبيعي المسال، مع ربط الإنتاج بأنابيب استراتيجية تتصل بالشبكة المغاربية-الأوروبية.
ويمثل هذا المشروع خطوة مهمة نحو إدماج الغاز المحلي في المنظومة الطاقية، كما قد يفتح آفاقًا للتصدير مستقبلاً، غير أن الرهان الحقيقي يظل في توجيه جزء من هذا الإنتاج لتغطية الحاجيات الوطنية، بدل الاكتفاء بمنطق التصدير أو الاستفادة المحدودة.
مفارقة الثروة والسياسات العمومية
يرى متابعون أن المفارقة الكبرى تكمن في التباين الواضح بين زخم الإعلانات حول الاكتشافات الطاقية، وبين استمرار الاعتماد شبه الكامل على الخارج، ما يعكس إشكالية أعمق تتعلق بضعف سياسات توزيع وتثمين الثروة الطاقية، وغياب رؤية واضحة تربط الاستكشاف بالإنتاج والاستهلاك المحلي.
فالاكتشافات، مهما كانت واعدة، لا تتحول تلقائيًا إلى رافعة للتنمية أو إلى مكسب اجتماعي، ما لم تُواكبها اختيارات سيادية تضمن استفادة الاقتصاد الوطني والمواطنين، سواء عبر خفض فاتورة الاستيراد، أو دعم الأمن الطاقي، أو خلق فرص شغل وتنمية جهوية مستدامة.
سؤال المستقبل: استقلالية أم خبر عابر؟
في ضوء هذه المعطيات، يبقى السؤال المطروح:
هل يشكل اكتشاف النفط بتندرارة خطوة فعلية نحو تعزيز الاستقلالية الطاقية للمغرب وتقليص تبعيته للأسواق الدولية؟ أم سيظل مجرد إنجاز تقني وإعلامي، يضاف إلى أرشيف الاكتشافات دون أن ينعكس أثره على واقع الطاقة وأسعارها داخل البلاد؟
الجواب، في نهاية المطاف، لن تحسمه البلاغات ولا الأرقام الأولية، بل السياسات العمومية التي ستحدد كيف، ولمن، وبأي كلفة تُستثمر هذه الثروة.
