خفف المغرب القيود المفروضة على حيازة واستعمال العملات الأجنبية من طرف الأفراد، من خلال رفع السقوف المسموح بها للسفر، والتجارة الإلكترونية، وتمويل الدراسة بالخارج، وذلك ضمن المنشور العام لعمليات الصرف لسنة 2026، في خطوة تعكس ثقة السلطات النقدية في استقرار احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي، وسعيها لمواكبة التحولات الاقتصادية والرقمية المتسارعة.
وبحسب وثيقة رسمية صادرة عن مكتب الصرف، فقد تقرر رفع مخصصات التجارة الإلكترونية لفائدة الأشخاص الذاتيين، بما فيهم المغاربة المقيمون بالخارج، إلى 20 ألف درهم سنويًا، بدل 15 ألف درهم المعمول بها سابقًا، وهو تعديل يستجيب للتوسع المتزايد في استخدام المنصات الرقمية العالمية لاقتناء السلع والخدمات.
ويأتي هذا القرار في سياق النمو اللافت الذي يشهده قطاع المدفوعات الإلكترونية بالمغرب، مدفوعًا بتغير سلوك المستهلكين، وتسارع التحول الرقمي منذ جائحة كوفيد-19، التي فرضت أنماطًا جديدة من الاستهلاك والتعامل المالي العابر للحدود.
تسهيلات أوسع للسفر وربطها بالشفافية الضريبية
وفي إطار سياسة أوسع تهدف إلى تيسير المعاملات المالية للأفراد، حدد المنشور الجديد السقف الإجمالي لمخصصات السفر لأغراض شخصية في 500 ألف درهم سنويًا، وهو مستوى غير مسبوق يعكس توجهًا تدريجيًا نحو مزيد من تحرير حركة رؤوس الأموال.
وتتوزع هذه الحصة بين مخصصات أساسية ثابتة تبلغ 100 ألف درهم، ومخصصات تكميلية مرنة قد تصل إلى 400 ألف درهم، يتم احتسابها على أساس 30 في المئة من ضريبة الدخل المؤداة من طرف المعني بالأمر. ويعكس هذا النظام مقاربة تقوم على ربط الاستفادة من تسهيلات الصرف بالمساهمة الضريبية، بما يعزز الشفافية المالية ويحد من الممارسات غير المصرح بها.
وتندرج هذه الخطوة ضمن مسار التحرير التدريجي لسعر صرف الدرهم، الذي انطلق منذ سنة 2018، والذي تسعى من خلاله السلطات إلى تقوية قدرة الاقتصاد الوطني على التكيف مع الصدمات الخارجية، دون الإخلال بتوازناته الأساسية.
دعم الطلبة المغاربة في الخارج
كما شملت الإجراءات الجديدة رفع سقف تحويل مصاريف الإقامة للطلبة المغاربة المتابعين لدراستهم بالخارج إلى 15 ألف درهم شهريًا، بدل 12 ألف درهم سابقًا، وهو قرار يكتسي بعدًا اجتماعيًا واضحًا في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف المعيشة في الدول الأوروبية والأمريكية، التي تستقطب النسبة الأكبر من الطلبة المغاربة.
ويأتي هذا التعديل في وقت تواجه فيه الأسر المغربية ضغوطًا متزايدة بفعل التضخم العالمي، وارتفاع أسعار السكن والخدمات الأساسية في بلدان الاستقبال، ما يجعل هذه الزيادة متنفسًا جزئيًا لتخفيف العبء المالي عن العائلات.
توازن دقيق بين الانفتاح والحذر المالي
وأكد مكتب الصرف أن هذه التدابير تندرج ضمن توجه استراتيجي يرمي إلى تعزيز وضوح ومرونة تنظيم الصرف، وتكييفه مع حاجات الأفراد، مع الحفاظ في الوقت ذاته على التوازنات الماكرو-اقتصادية للمملكة.
وعادة ما تتعامل السلطات المالية في المغرب بحذر مع ملف الصرف، من خلال الموازنة بين السماح بتدفق العملة الصعبة إلى الخارج لتلبية حاجات المواطنين والشركات، وبين ضرورة الحفاظ على مستوى مريح من الاحتياطيات الأجنبية، يضمن تمويل الواردات الأساسية وخدمة الدين الخارجي.
ويرى مراقبون أن هذه التسهيلات الجديدة تحمل إشارات إيجابية حول وضعية السيولة الخارجية للمملكة، وتعكس تحسن مؤشرات الاستقرار المالي، كما تدعم توجه المغرب نحو نظام صرف أكثر مرونة، وهو مسار لطالما أوصى به صندوق النقد الدولي لتعزيز مناعة الاقتصاد الوطني في مواجهة التقلبات الدولية.
